صفي الرحمان مباركفوري
387
الرحيق المختوم
الأنصار تجد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهذه السياسة لم تفهم أول الأمر ، فأطلقت ألسنة شتى بالاعتراض ، وكان الأنصار ممن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة ، لقد حرموا جميعا أعطية حنين ، وهم الذين نودوا وقت الشدة فطاروا يقاتلون مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم حتى تبدل الفرار انتصارا ، وها هم أولاء يرون أيدي الفارين ملأى ، وأما هم فلم يمنحوا شيئا قط « 1 » . روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال : لما أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم ، حتى كثرت فيهم القالة ، حتى قال قائلهم : لقي واللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا رسول اللّه إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء . قال : « فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ » قال : يا رسول اللّه ما أنا إلا من قومي : قال : « فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة » فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال : لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : « يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها عليّ في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه ؟ وعالة فأغناكم اللّه ، وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ؟ » قالوا : بلى ، اللّه ورسوله أمن وأفضل . ثم قال : « ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ قالوا : بما ذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ولرسوله المن والفضل . قال : أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم ولصدقتم : آتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، وطريدا فآويناك ، وعائلا فاسيناك » . « أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من
--> ( 1 ) كلمة لمحمد الغزالي في فقه السيرة ص 298 ، 299 .